قبل البداية .. كل عام و أنتم بخير و عساكم بأعياد و أعياد،، اقبلوها مني رغم تأخرها، و رغم انتهاء إجازة العيد..
ليلتها- ليلة العيد- لم أطلب الكثير
طلبتُ أن أفرح قليلاً فقط ..
و لم أكن أخشى من عدمه..
و لكنني تطلعت إلى الفرح، و تمنيته فقط..
عادة الأعياد قسوتها معي،، تشعرني رغم زحام الأهل و الأقارب بأشد مفاهيم الوحدة.. و كيف و هذا العيد قد قررا أمي و أخي السفر لأداء مناسك العمرة؟
قررتُ بأن أخلق لي لحظات عيد خاصة بي و أن أتمرد على أي محاولة للتعدي على عيدي..
بدأت خطتي من آخر أيام الشهر الفضيل و قبل حتى أن تعلن المملكة العربية السعودية عن ثبوت العيد، أثبته أنا لنفسي و تغيبت يومها عن الجامعة و أخذت ملابس خصيصاً لليلة العيد، ثم ذهبت لعمل New look كدليل إصرار على التغيير، تأخرت كثيراً لساعة جاوزت أذان المغرب، و لكن ما أن انتهيت شعرت بأنني لم أتأخر على الإطلاق، و ما زلت أمتلك كل الوقت في يدي، أعجبتني الطلة الجديدة و زادني تباهي إطراء أمي و سلمان الذي لا يعجبه العجب، أما بيان – أختي الصغرى- فقد اكتفت بقولها ” جميل.. بس قبل ما كان أحلى؟” و هذا بحد ذاته أمر لا يحدث إلا فيما ندر بأن يعجبها شيء لحد وصفه بالجميل، و لا يهم ما لحق من تعليقها..
كنت أسير و أتوقف مع كل مرآة بالمنزل لأتذكر العيد.. تناولت إفطاري مع ما يقارب الساعة السابعة، و الغريب بأني لم أشعر بالصيام حتى ذاك الوقت أبداً.. كل هذا من تأثير الأيدي اللبنانية على شعري؟ .. ربما
شارع المعارض بالمنامة لمن لا يعرفه شارعٌ مزدحم على مدار الساعة، مزدحم لدرجة ليس بإمكانك تخيلها إن لم تراه بعينيك، مزدحم في مداخله و مخارجه بصورة غير طبيعية أبداً.. بالرغم من قصره نسبياً و قلة خياراته نوعاً ما إلا أنه مزدحم في الصباح، في المساء، و في منتصف الليل،، فكيف بالحال ليلة العيد؟ .. و بالرغم من معرفتي لهذه التفاصيل كنت قد نويت الذهاب ليلتها لمركز النورس للتصوير بشارع المعارض و لم أفكر حتى في خيار آخر.. ليلة من العيد، أليس من حقي فرض اختياراتي؟.. ذهبت و قنعت بيان بالذهاب معي و ضرورة توثيق تسريحة شعرها و نقش الحناء بيديها..
ساعة و نصف بالتمام هو الوقت الذي قضيته في زحمة السير منذ دخولي لشارع المعارض و حتى وصولي للنورس.. مع وصولي شعرت بارتجاج مخيف كاد أن يؤدي برأس أختي للاصصدام بزجاج المقدمة لولا ستر الله، نزلتُ من السيارة مع مقاومة صداع الصدمة و إذا بسيارة كانت تنوي تجنب زحمة السير و مجاوزة السيارة التي كانت خلفي، لتخونها سرعتها و تصطدم بي أنا فقط، هل كان يرى هذا الشارع مناسباً لإظهار مهاراته بالتجاوز؟.. زالت كل الأمنيات بليلة عيد مميزة و تناسيت مخطط التصوير و اتفقت مع صاحب السيارة بملاقاته في مركز المرور لإتمام الإجراءات، و ساعة أخرى قضيتها للخروج من شارع المعارض..
كنت أسير بالسيارة و أنا أفكر بليلة العيد التي ستضيع في مكتب المرور، و أفكر بعبارات المواساة لأختي التي التزمت الصمت و لم تبدي أي تعليق إطلاقاً.. لا أعرف كيف كنت أقود بكل المشاعر التي انتابتني وقتها و أنا في طريقي لمكتب المرور، لا أعرف كيف كنت أقود لدرجة جعلتني لم أميز انشعال الضوء الأحمر لإشارة السلمانية، و يا ليت الأمر وقف عند عدم تمييزي للون الأحمر.. بل و حتى لم أميز السيارات العابرة على يميني و يساري حيث الضوء الأخضر لها و انطلقت متجاوزة للضوء الأحمر، لاستدرك ما حصل فقط عندما انحشرت بين سيارتين من جهة اليمين و اليسار.. لم أستوعب..ما حدث بالضبط؟ لماذا توقفت السيارة؟ أين أنا؟ و ما هذا الذي حصل؟ ما هذا الصراخ الذي أسمعه؟ أين بيان؟ بيان أين هي؟ كانت معي.. أنا متأكدة من ذلك.. أردت أن أناديها و لكني لم أسمع صوتي.. لم أسمع سوى بكاء طفل و صراخ امرأة، بعدها أصبحت أسمع صوت طرق على نافذتي يتداخل معهما، و لكني لم أقوى على الالتفات أو الرد.. ماذا يحصل بالضبط؟ من هؤلاء؟ و أين بيان؟ أحدهم فتح الباب و أعطاني ماءاً لأشرب و كان يقول بأني بخير..
لحظات فقط و استوعبت ما جرى بسببي.. نهضت من السيارة و كانت رؤيتي لبيان واقفة بخير أكبر قوة مؤثر فيني، نهضت و عرفت بأن صاحب السيارة التي كانت على جهة الغرب مني بخير، و صاحب السيارة التي كانت على جهة الشرق و الذي عرفت فيما بعد بأن اسمه مراد بخير هو و والدته و لكن زوجته الحامل و ابنه الصغير ستأتي سيارة الإسعاف لنقلهما للمستشفى، شعور الألم و الخوف لا يمكن وصفه بمعرفتي بأن أحدهم قد تأذى لدرجة دخوله المستشفى.. جاء مراد إلي و كنت أتمنى لو أن للأرض أن تنشق و تبلعني و تعفيني من مقابلته، و لكني فوجئت بأنه جاء إلي ليطلب مني عدم الخوف و أن كل شيء سيكون بخير و أن محمد – ابنه الأصغر- يبكي دلعاً، و أن زوجته بإذن الله لم تتضرر كثيراً.. كلامه هذا زاد ألمي مرات و مرات..
اتصلتُ لسلمان و طلبت منه القدوم ، و كلها دقائق فقط حتى رأيت المكان مزدحم بسيارة الأمن و سيارة المرور و سيارة الاسعاف و رافعة السيارات، و سلمان و ابنة خالي و أبناء خالي الذين كانوا بهذا الشارع ” صدفة” !! رجل المرور كان متعاطفاً معي كثيراً، و أدرك قبل أن يسألني بأن عبوري للإشارة الحمراء كان ليس بتعمد مني لأنه لا أثر لاستعمال مكابح السيارة على الشارع ..
بدأت اجراءات الحادث و التي لم أجربها من قبل، و التي كان من ضمنها كتابة وصفاً خطياً بخط يدي لكيفية الحادث و التوقيع عليه، حتى يتجنبوا تغييري لأقوالي فيما بعد!! .. و قبل الانتهاء أخبرنا رجل المرور بأني قيد التوقيف!! و لكنهم بإمكانهم عدم توقيفي بضمان مكان إقامتي و كفالة أحدهم !! قام سلمان بكفالتي و ضمنا لهم مكان إقامتي!! لا شعورياً، بدأت الدموع تسكن عيناي ما أن سمعت كلمة توقيف و كفيل .. انتهت الإجراءات و ثم باشرنا إجراءات الحادث الأول الذي حصل بشارع المعارض و انتهينا من كلاهما مع ما يقارب الواحدة صباحاً حينما قال لنا رجل المرور ” كل عام و أنتم بخير” ..
سلمان و بسبب ” كفالته ” لي لم يسافر لأداء العمرة، و كل دقيقة و نحن في طريقنا للبيت يذكرني بعبارة ” أنا كفيل مال أنت” – بلكنة الهنود – .. أنا و سلمان أصررنا على والدتي السفر و الدعاء لنا، و الحمدلله انها سافرت .. وبيان كانت منزعجة لأن ” تسريحة ” شعرها قد قضى عليها الحر و بأنها لن ترضى قبل أن نصلح ما أفسده الحر، و لا تريد أن تسمع باسم مركز النورس من جديد..
مع وصولي للمنزل شعرت بكل الحزن و الأسى يسكنان معي، شعرت بخذلان العيد لي.. و كأنه لا يريدني أبداً مهما فعلت من أجله..
حالياً.. أنا فقط أنتظر تقرير الإصابات و خائفة كل الخوف مما قد يحمله، أتمنى من كل قلبي أن يكونوا بخير ..
و الحمدلله على كل حال