بالأمس أنهيت آخر امتحاناتي بالجامعة.. آخر الأخير يا صديقي.. دخلتُ الجامعة وحيدة، و ما زلت أتذكر أول أيامها معي. كان دواماً انتقامياً، يبدأ من الثامنة حتى الرابعة مساءً. هكذا بدأت الجامعة استقبالها بي. رجعت من يومي الأول و لم أفعل شيء غير البكاء، بكيت حتى حسمت أمر عدم قدرتي على المواصلة من يومي الأول. هكذا استسلمت منذ يومي الأول. اتصلت لمدير مكتب البعثات بوزارة التربية و التعليم و أخبرني عن إمكانية حصولي على منحة دراسية في جامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان. لم أفكر، وافقت فقط. شعرت بأنه الخلاص الذي سيعفيني من إعادة سيناريو يومي الأول من جديد. حدثت قصص طويلة قررت بعدها فجأة إلغاء فكرة جامعة السلطان قابوس و جعل فكرة “التخصص” عذراً (ع الماشي) لكل من استنكر إلغائي السفر قبل يومين منه. المهم إني رجعت لجامعة البحرين بخيبات أكبر من الأولى، و كنت أشعر بنفسي كأني شخص لم أعرفه من قبل. لم تكن لي قدرة التأقلم و التكيف مع ظروف واقعي الجديد. لم أتحمل فكرة أن أكون (عادية) في زحمة كل هؤلاء الطلبة..
في فصلي الأول هذا، كانت نتائجي سيئة لدرجة الرسوب في امتحانات منتصف الفصل، في يوم إعلان نتائج أحد المواد الأساسية أخبرني الأستاذ و على مسمع كل الطلبة بأني نلت الدرجة الأدنى بين جميع طلاب دفعتي. سمعت هذا فقط و لم أسمع درجتي. خرجت من هذه المحاضرة و أنا أشعر بتلك العبارة تخنقني حد البكاء. لست طفلة لكي أبكي من أجل درجة. و لكن “الأدنى” قتلتني و جعلت عيون الطلاب تبحث عني، و أنا في غنى عن ذلك. خرجت و قادتني قدماي إلى الساحة الخلفية (خلف مبنى قاعة الشيخ عبدالعزيز لمن يعرف الجامعة). كان الجو بارداً. بارداً جداً. تركت دفتري على الأرض و نزعت المعطف الذي ألبس، و وقفت دون أدنى حركة مواجهة للهواء البار. تخيلت الهواء يجلد مسامي و يخترق صدري، و رغم ذلك بقيت واقفة. رجعت إلى المنزل مع موعد عودتي المعتاد و ختمت الليلة بانفلونزا لم أستنكرها أبداً. قررت يومها بأني سأعيد لملمة نفسي من جديد، و لن أرضى لشخص مثل (هذا) بأن يقول لي أمام (هؤلاء) بأني الأدنى. أعترف بأني قلتها لنفسي بكل هذا الاستعلاء. قررت أن أكون في صفوف (الأعلى) كما أنا دائماً، و أن أجعل لوحة رئيس الجامعة الشرفية مكاناً لصورتي. لا لشيء كما لأجعل (هو) و (هؤلاء) و (غيرهم) على علم بمستواي الحقيقي. كنت في غاية الإصرار على إمكانية هذا الحلم حتى مع مستواي المنعدم حينها. أنهيت الامتحانات النهائية بجد بالغ و حصدت 3.6 نقاط من أصل 4. اعتبرتها نتيجة هائلة نظراً لدرجات الفصل المتدنية (الاختبارات و التقويمات الدورية) و التي كان نصفها او أكثر على خط الرسوب. مسكت آلتي الحاسبة و قضيت الليل في حساب كيفية إمكاني الوصول للوحة الشرف ( معدل تراكمي 3.9 فأكثر ). و كانت النتيجة بأن أحصد و لثلاثة فصول متتالية مجموع فصلي قدره 4 نقاط من أصل 4. آمنت بقدرتي و كنت أنتظر هذه الفصول الثلاث أن تأتي بسرعة فقط. جاءت و مرت بسرعة و رأيت اسمي أسفل صورتي في لوحة رئيس الجامعة الشرفية. زال الغضب الذي بداخلي. لأني أعرف بأن (هو) و (هم) و (كلهم) أصبحوا على علم بي في مصاف (الأعلى). تحسنت علاقتي بالجامعة كثيراً في فترة التحدي هذه. صرت أراها أداة تحقيق الحلم الذي لن يخذلني. و صرت أستغل كل فرصة للمشاركة و الظهور في فعاليات الجامعة. أحببت الجامعة و شعرت بحب الكثيرين لي فيها. شعرت بنفسي التي استعدت هيبتها من جديد. استعدت فخري بها من جديد.
الآن.. انتهت أيامي مع هذه الجامعة.. ولم يعد يربطني بها سوى إجراءات “إخلاء الطرف”. خرجت منها و لم استوعب إلى الآن عدم عودتي إليها من جديد و أنا محملة بكتبي و أوراقي. انتهت و أنا سعيدة بها و بكم المعارف الجميلة التي كانت سبباً في لقائي بهم. انتهت يا صديقي. و قد أبدأ مرحلة جديدة في لندن. و قد نكون معاً هناك. لأنك لن ترضى لي أن أكون وحيدة من جديد.
سأعود لأكتب عن الجميع. عن جميع من جمعتني الجامعة بهم.